الإبل - الرمز- في شعر المتنبي
أ.د. عبدالرحمن بن سعود بن ناصر الهواوي
لقد ارتبطت الإبل العربية منذ مئات السنين بحياة الإنسان العربي وبيئته وتاريخه. فقد كان للعرب وخصوصاً عرب الجزيرة العربية السبق في استئناس الإبل دون غيرهم من الأمم الأخرى، حتى أصبحت الإبل مرتبطة ومتزامنة مع وجود العربي ذاته....
... لذا فإن الإنسان العربي الأصيل، مثل بعيره العربي الأصيل، يمتلك كل منهما صفات ومميزات كثيرة مشتركة خاصة بهما.
وقد استخدم العرب الإبل في أغراض مختلفة، منها استخدامها في التنقل والترحال من مكان لآخر. وقد وصف شعراء وأدباء العرب الإبل في أشعارهم وأقوالهم وتطرقوا إلى أوصافها وعدوها وألوانها وأصولها وأنسابها...إلخ. وقد تطرق شاعر العرب الأكبر أبو الطيب المتنبي إلى الإبل في شعره، وكان حصانه وبعيره هما المرافقان له في معظم أيام حياته، وقد استخدم ناقته في كل تنقلاته وهروبه من أعدائه وخصومه.
وأهم ما يهمنا هنا هو ما قاله عن إبله عندما هرب عليها هو ومن معه من مصر متجهاً عليها إلى العراق. ففي قصيدة يذكر بها خروجه - هروبه - من مصر قال:
أَلا كل ماشية الخيزلى
فدا كل ماشية الهيذبى
وكل نجاة بجاوية
خنوف وما بي حسن المشى
ولكنهن حبال الحياة
وكيد العداة وميط الأذى يقول في أبياته هذه: فدت كل امرأة تمشي الخيزلى وهي مشية فيها استرخاء، من مشية النساء، كل ناقة تمشي الهيدبى وهي مشية فيها سرعة من مشي الإبل، والسبب في هذا التفضيل عند المتنبي؛ لأن الناقة البجاوية - بجاوة قبيلة بربرية تنسب إليها النوق البجاويات - تنجي صاحبها من المهالك في سرعة عدوها، وخنوفها فيه - خنف البعير إذا سار فقلب خف يده إلى وحشيه - وهي- هذه النوق - توصل إلى الحياة، وتكيد الأعداء، وترفع الأذى.
وقال:
ضربت بها التيه ضرب القمار
إما لهذا وإما لذا
إذا فزعت قدمتها الجياد
وبيض السيوف وسمر القنا
فمرت بنخل وفي ركبها
عن العالمين وعنه غنى
وأمست تخيرنا بالنقاب
وادي المياه ووادي القرى
وقلنا لها أين أرض العراق
فقالت ونحن بتربان: ها بين أبو الطيب في أبياته هذه أنه سلك بهذه الناقة التيه -الأرض البعيدة التي يتاه فيها لبعدها، وهو هنا تيه بني إسرائيل سيناء -، إما للنجاة وإما للهلاك، وإذا فزعت وخافت هذه الناقة تقدمتها الخيل الجياد وفي أيدي فرسانها السيوف البيض والرماح السمر، وقد مرت هذه الإبل بماء نخل وفي ركبانها عن هذا الماء وعن كل من في الدنيا غنى لصبرهم وجلدهم؛ وعندما وصلت هذه الإبل إلى النقاب خيرتنا إما أن نسلك طريقاً إلى وادي القرى أو إلى وادي المياه؛ وعندما وصلت هذه النوق إلى تربان قلنا لها: أين أرض العراق؟ فقالت: ها هي أي أن تربان من أرض العراق.. (نود أن ننبه القارئ أن المتنبي ذكر في قصيدته هذه أماكن عديدة مر بها، وقد نال أمريكي في الخمسينات من القرن العشرين درجة الماجستير عندما عين وحدد هذه الأماكن في رسالته).
وفي قصيدة أخرى يذكر فيها أبو الطيب مسيره - هروبه - من مصر حيث قال:
لا أبغض العيس لكني وقيت بها
قلبي من الحزن أو جسمي من السقم
طردت من مصر أيديها بأرجلها
حتى مرقن بنا من جوش والعلم
تبري لهن نعام الدو مسرجة
تعارض الجدل المرخاة باللجم
في غلمة أخطروا أرواحهم ورضوا
بما لقين رضا الأيسار بالزلم يقول أبو الطيب في أبياته هذه: إن إتعاب العيس - الإبل البيض - في السفر لم يكن بغضاً لها مني، ولكن أسافر عليها لأقي قلبي من الحزن، وجسمي من المرض، ولما خرجت من مصر وأسرعت السير كانت العيس تعدو فكأن أرجلها تطرد أيديها وهي لسرعتها مرقت كالسهم بنا من جوش والعلم - وهما جبلان -، وكانت نعام الدو - الخيل - المسرحة تبرى - تعارض - الإبل من جانبها، ولعلو أعناق هذه الخيل وإشرافها تعارض أعناق الإبل؛ أي لجم الخيل تعارض جدل - أزمة - الإبل، وقد خرجت من مصر في غلمة حملوا أرواحهم على الخطر ورضوا بما يلاقون رضا الأيسار - وهم الذين ينحرون الجزور ويتقارعون عليها بالقداح في الجاهلية - بالزلم: السهم.
وقال:
تخدي الركاب بنا بيضا مشافرها
خضرا فراسنها في الرغل والينم
معكومة بسياط القوم نضربها
عن منبت العشب نبغي منبت الكرم يقول أبو الطيب في بيتيه هذين: الركاب تخدي - تسرع - بنا، ومشافرها بيض، لأنها تمنع من المرعى لشدة السير، وفراسنها - الفرسن للبعير بمنزلة الحافر للدابة - خضر لأنها تمشي على نباتي الرغل والينم، ونحن نضربها عن المرعى كأن أفواهها معكومة - مشدودة - نريد منبت الكرم.
يقول غومث (1398هـ-1978م): تضمنت القصيدة التي أنشدها المتنبي في الكوفة عام 963م، ووصف فيها السرعة التي ترك بها مصر هارباً بيتاً رائعاً من الشعر:
تخدي الركاب بنا بيضا مشافرها
خضرا فراسنها في الرغل والينم يريد أن يقول: إنهم وقد أغذوا السير لم يتركوا الإبل ترعى، فجف اللغام على أشداقها، وابيضت مشافرها، بينما اخضرت خفافها لكثرة ما وطئت من النبت وهي تقطع الأودية والمروج.. إن هذا البيت يمكن أن يكون رمزاً لشعر المتنبي نفسه، لقد غذ الشاعر السير، عارم الرغبة، سريع الخطو، فاقد الصبر دائماً، فجاز كل مروج عالم الشعر، لم يقف عند عالم الدين، ولم يستطع الحب أن يمسك به، واستأنى قليلاً في دنيا الفخر الشعري، ليمضي محلقاً وراء مجد أداته السيف، مجد سرعان ما تلاشى بعد أن أغرقه في أشد ألوان التشاؤم كآبة. وهكذا وصل شعره بعد رحلة مريعة، مبيض المشافر مخضر الخفاف، بعد أن استباحت قدماه مندفعاً ألذ أعشاب البلاغة، والتفت بأحلى ما فيها.
وقال أبو الطيب أيضاً في القصيدة نفسها:
ما زلت أضحك إبلي كلّما نظرت
إلى من اختضبت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدها
ولا أشاهد فيها عفة الصنم يقول أبو الطيب في بيتيه هذين: ما زلت أسافر على إبلي إلى من لا يستحق القصد إليه حتى اخضبت أخفافها بدم في المسير إليه، ولو كانت إبلي تضحك لضحكت إذا نظرت من قصدته، لقلة شأنه، وقد سيرت ناقتي بين أناس كالأصنام، مع أن الصنم أفضل وأعف منهم.
يقول غومث أيضاً: يحكي المتنبي - في هذه القصيدة - قصة رجوعه من مصر، يجر أذيال الخيبة، ومروره ببغداد مشيراً فيما يبدو إلى القوي الغارق في الملذات، المسرف في التأنق، الوزير المهلبي وحاشيته عندما يقول -أي البيتين السابقين- والحق أن كل ما نعرفه عن حياة المتنبي، وليس بالقليل، يؤكد صدقه فيما يقول، فهو لا يسكر، ولا نعرف عنه غراميات فاجرة، وأبعد من ذلك أن يكون قد عرف الشذوذ الجنسي وفي عصره شاع، وبين أناس من مستواه اشتهر، وحياته العاطفية تدور عادة في محيط خاص، وليس لها صدى في إنتاجه الأدبي، ويمكن أن يمر على ظهر راحلته أمام أصنام عصره الفاسدة، وهو ينطوي على أكبر احتقار لها.
***
المراجع:
غومث، إميليو غرسيه، 1398هـ-1978م.
(مع شعراء الأندلس والمتنبي) سير ودراسات. تعريب: الطاهر أحمد مكي. دار المعارف - القاهرة
auv hgljkfd
منتديات قبيلة الغنانيم
منتديات قبيلة الغنانيم
مواقع النشر |
تعليمات المشاركة |
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك
BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
|
المواضيع المتشابهه | ||||
الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
ابي الطيب المتنبي : كُن شُجاعاً | فهد الباجد | الأدب العربي والشعر الفصيح | 12 | 07-13-2011 04:36 PM |
هجاء المتنبي لكافور الأخشيدي | ابو رامي | الأدب العربي والشعر الفصيح | 23 | 07-02-2011 01:15 AM |
لقا مع المتنبي | برق الشمال | الأدب العربي والشعر الفصيح | 14 | 05-20-2011 06:31 PM |
المتنبي | صمت الجرووح | الأدب العربي والشعر الفصيح | 10 | 02-25-2011 06:38 PM |
المتنبي | صمت الجرووح | الأدب العربي والشعر الفصيح | 8 | 02-22-2011 05:38 PM |