الفصل الرابع
فلنحذر التبعية
لقد تقرر فيما سبق ، أن هؤلاء الحكام قد أنزلوا أنفسهم منزلة المضاهي لله سبحانه و تعالى ، و شرعوا للعباد الشرائع ، وألزموا العباد بها ، و قالوا : ( لا جريمة و لا عقوبة إلا بناءاً على قانون ، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي ، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون ).
وقالوا : ( لا يجوز إستعمال وسائل بشعة غير إنسانية في تنفيذ العقوبات ، و لا يجوز سن قوانين تبيح ذلك ) .
وقالوا : ( إن جريمة الزنا ليست من حق الله ، ولا المجتمع ، بل من حق الزوج والزوجة ) .
وقالوا : ( للأمير حق إقتراح القوانين ، وحق التصديق عليها و إصدارها ) .
وقالوا : ( لا يصدر قانون إلا إذا أقره مجلس الأمة وصدّق عليه الأمير ) .
وقالوا : ( لعضو مجلس الأمة حق إقتراح القوانين ) .
وقالوا : ( لا جريمة إذا كان الفعل قد أمر أو أذن به القانون ) .
وقالوا : ( إنما البيع مثل الربا ) .
وقالوا : في الخمر مثل ذلك ، وقالوا : في السياسة ، والإقتصاد والإجتماع مثل ذلك .
فكيف بعد ذلك كله يزعم أحد أن هؤلاء الطواغيت مسلمين !!! ، أو أنهم في حالة كفر دون كفر ! ، أو أن يضع يده مع أيديهم ! ، وهم بلسان الحال ولسان المقال يقولون : ( إنك يا رب قد قلت أن الزنا حرام ، وحددت له عقوبة معينة في كتابك ، أما نحن فنرى أنه ليس هناك جريمة تستحق العقاب أصلاً إذا تم الأمر برضى الطرفين ، ولم تكن المرأة قاصراً ، وإذا وقعت – من وجهة نظرنا – جريمة فعقوبتها عندنا أمراً غير ما قررت !
وإنك يا رب قد قلت إن الربا حرام ، أما نحن فنقول إنه مدار الحياة الإقتصادية (*) لا يقوم الإقتصاد إلا به ، ولذلك فنحن نقره ونتداوله ، ونجعله هو الأصل في تداول المال ! .
سبحان الله : ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[ الأعراف : 54 ] . ) !!!
لذلك سنحاول في هذا المقام أن نجعل النصوص القرآنية بذاتها تتحدث عن خطورة التبعية لغير الله سبحانه ، وتقول قول الله – سبحانه – الذي لا حق بعده، وتخبر عن ضريبة الذل الذي يدفع ثمنها البشر الذين أكرمهم سبحانه وتعالى بعبادته وحده ، ولكنهم تنازلوا عن هذه الكرامة ! كرامة العبودية لله سبحانه وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والأصنام بشتى أصنافها ، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولاً وعبيداً للطواغيت !
قال الله :
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾[البقرة 65 1– 167 ]
:
أندادا يكلون إليهم الأمور ،ويعلقون عليهم الآمال ،ويحبونهم ويعظمونهم كحب الله وتعظيمه أو أشد من ذلك ،ويتقبلون ما يصدر منهم برحابة صدر وانشراح خاطر ،ويلتمسون لهم المعاذير إذا اخطأوا ،ويجعلونهم أندادا في التشريع والتنظيم والتقنين على خلاف شرع الله وحكمه ،ويسلكون ما يخطون لهم من مناهج الحياة في جميع شئونها السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ،وييلبسون على دهماء الناس بقلب أخطائهم إلى صوابات ،وأضرارهم إلى مكاسب ،وهزائمهم واندحارهم إلى عز ونصر ،ويحيطونها بهالات من التقديس
.
هذا نوع من أنواع اتخاذ الأنداد يسوّغه اليوم للناس علمائهم ويخدعونهم بمنمّق الكلام الذي لايغني عن الحق شيئاً ..حتى ولو كانوا يعلمون في دواخلهم انهم يفترون على الله الكذب ..!!
لكن الظالمين بأيات الله يجحدون.!!
وقد علموا بالضرورة أنه لا يجوز لهم أن يجعلوا شيئا من هذه الأمور إلا لله وحده ،وهم بذلك مشركون بالله مبطلون،حيث أبطلوا حكم الله في جميع شئون الحياة ،وكأن الله يحكم في السماء فقط أما هم فلهم الحكم في الأرض يحكمون ماشائوا من دونه سبحان الله وتعالى عن مايصفون .. يقول الله:﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾ [سورة الزخرف 43/84
]
:" وقد تنقسم الأنداد على أقسام ،قسم يستجلب منه النفع ويستدفع به الضر من أنواع الأحياء أو المقبورين ،وقسم يعتمد عليه في حلول المشاكل وكشف المعضلات ،ويحظى بالحب وبالمودة والبذل والفداء ،والتضحية والتعظيم والتقديس ،ويعتبرونه المنقذ الهادي في الشئون السياسية والثقافية وغيرها ،كما هو حاصل قديماً وحديثاً يجعلونه مشرعاً يتقبلون ما يصدر من أنظمته وتشريعاته سواء يوافق ذلك شرع الله أو يخالفه فالأمر عندهم سيان..!!
،وقسم يعتمد عليه معظم هولاء غالباً وهم شرار الناس الذين ينتسبون إلى الدين وكثيراً ماهم ..أنهم العلماء الضالين المضلين الذين اتخذهم الناس أرباباً وأعتبروهم مشرعين يؤخذ برأيهم في التحليل والتحريم من غير أن يكونوا مبلغين عن الله مستدلين على الحكم من نصوص كتابة الحكيم
" .
قال الله :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170)﴾ [سورة البقرة 2/170].
وما أمروا ألا أن يتبعوا ما أنزل الله في كتابة ويحلوا حلاله ويحرموا حرامه ،..وأننا لو نقول لهولاء دونكم كتاب الله أجعلوه لكم إماماً تأتمون به ،قالوا :بل نأتم بآبائنا فنتبع ما وجدناهم عليه من التحليل والتحريم !!
!
والآباء هنا تشمل أسلافهم جميعاً وما هم عليه من اتخاذ الأنداد ،وقد تكون عامة في الرؤساء وغيرهم من أباء الزعامة والتربية السياسية ،وفي هذا دليل قوي على أن مهمة التشريع وأن من نصب نفسه له ،فحرم حلاله وأحل حرامه ،فهو شيطان من شياطين الإنس متمرد على وحي الله ،وطاغوت مشرع من دونه " .
:
(﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ﴾[ الأحزاب : 68 ] .) .
و : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُم عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[سبأ:30 – 31 ]
يقول أحد الأساتذة عن فهمة للآيات السابقة : ( فلكل جريمته وإثمه المستكبرون عليهم وزرهم وعليهم تبعة إضلالهم الآخرين و إغوائهم ، والمستضعفون عليهم وزرهم فهم مسؤولون عن اتباعهم للطغاة ، ولا يعفيهم أنهم كانوا مستضعفين ! فقد كرّمهم الله بالإدراك والحرية ، فعطلوا الإدراك وباعوا الحرية ، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولاً ! قبلوا لأنفسهم أن يكونوا مُستذلين فاستحقوا العذاب جميعاً ) .
:
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾[ غافر : 47 – 50 ].
يقول الأستاذ في موضع آخر أنه عن فهمة للآيات ( إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا ، ولم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولاً و إمعات ! ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنماً تساق ! ولا رأي لهم ولا إرادة ولا إختيار ! لقد منحهم الله الكرامة ، كرامة الإنسانية ، وكرامة التبعة الفردية ، وكرامة الإختيار والحرية ، ولكنهم هم تنازلوا عن هذا جميعاً ! تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ والحاشية ! لم يقولوا لهم : لا بل لم يفكروا أن يقولوها ! بل لم يمكنوا أن يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال ! ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ﴾ و ما كان تنازلهم عما وهبههم الله واتباعهم الكبراء ليكون شفيعاً لهم عند الله ، فهم في النار ساقهم إليها قادتهم كما كانوا يسوقونهم في الحياة سوق الشياه ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾) .
وقال الله
﴿وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[إبراهيم : 21 – 22 ]
و بعد . فلينظر كل إنسان يريد النجاة من عذاب الله في نفسه وقومه ، لمن المقام الأعلى في حياتهم ؟ ولمن الدينونة الكاملة ؟ ولمن الطاعة والإتباع : فإن كان هذا كله لله فهم في دين الله ، و إن كان لغير الله – معه أو من دونه – فهم في دين الطواغيت المبدلين لشرع الله ، فهم في دين الملك ، فهم في دين الملك أو دين الرئيس ..والأصنام والقبور الأضرحة والعياذ بالله
!!!
فالنجاة النجاة من عذاب الله وسخطه
:
﴿هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾[إبراهيم : 52 ]
و﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾[ الأعراف : 79 ]
و﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[ الأحقاف : 31 -32 ] .
﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [ غافر : 44 ]
و ليتدبر الذين يجادلون عن هؤلاء الحكام الكفرة الفجرة قول الله
﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾[ التوبة : 74 ]
و قوله : ﴿ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾[ التوبة : 66 ]
قال الله
﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾[ النساء : 150- 151 ].
﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾[ الزمر : 8 ]
فسبحان الله ! ما أقبح الإنسان حين ينتكس فيعبد غير الله ، سواءاً بالشعائر ، أم بالشرائع ، أم بالطاعة والإنقياد !!! وكما قيل : إن أخسر الناس صفقة يوم القيامة من أصلح دنيا غيره بفساد آخرته !!
يا مـــوقداً ناراً لغيرك ضوؤها * وحـر لـظاها بيـن جنبك يضرم
أهذا جني العلم الذي قد رضيته * لنفسك في الدارين جاه ودرهم !!
و أخيراً .. اللهم هل بلغت ... اللهم هل بلغت ... اللهم فأشهد !
خاتمــــة
لا ريب أيها القارئ – بعد هذا التطواف بين هذه الجاهلية و تلك ، مع فحصك إياهما بعين البصيرة ، أدركت أن الجاهلية ، ليست فترة زمانية إنتهت ، ولكن إبنما وجدت أصنام و عاكفون فثم جاهلية ، وإن تغيرت الأسماء و المسميات .
واعلم رحمك الله : أن دين الإسلام مبني على أن يُعبد الله وحده و لا يُشرك به شيئاً ، يُعبد بما شرعه تبارك وتعالى لرسله – صلى الله عليهم وسلم – و هذان هما حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ..فمالم يات العبد بهذا فليس بمسلم..والقرآن لايحتاج وسيط حتى يفهك إياه لأنه يخاطبك أنت في أخص شؤنك وفي كل أمرك فتدبره وأجعله أماماً لك يهديك إلى الصراط المستقيم..وتذكر قول ربك إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) سورة الأسراء
وقوله
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32) سورة الفرقان
وقوله
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16) سورة المائدة
( ... وتعريف الأسلام لعله: أن يستسلم العبد لله لا لغيره ، فيُعبد الله و لا يُشرك به شيئاً ، و يتوكل عليه وحده ، و يرجوه وحده، و يخافه وحده ، و يحب الله المحبة التامة لا يحب مخلوقاً كما يحب الله ، و يبغض لله و يوالي لله و يعادي لله
.
فمن استكبر عن عبادة الله لم يكن مسلماً ، و من عبد مع الله غيره لم يكن مسلماً ، ولا يكون مسلماً حتى يعبد الله طائعاً له منفذاً أمره بطاعة رسوله حيث يقول الله:﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ﴾[النساء : 80 ] ) .
و لا يصير ذلك ممكناً بل ولايتأتا البتة حتى يكفر بالطاغوت ، ( طاغوت زمانه و مكانه ) ، و يتبرأ منه و من عبادته ، ولا أرى خيراً في من لايدعو الناس إلى الكفر بالطواغيت وبقوانينهم ، والبراءة منهم و من أوليائهم ،ولعل من يفعل ذلك يكون عبداً لله وحده في تلقي الشرائع والأحكام ، و في التوجه بالنسك والشعائر ، و في الولاية و هو أن يوالي في الله و يعادي فيه سبحانه و تعالى .
.
فسحقاً لكل مصلحة تعارض هذا الأصل الأصيل ، بل سحقا للحياة كلها ، سحقاً للأجساد والأرواح والأموال في سبيل هذه الغاية العظيمة ، قال الله
:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[ الذاريات : 56 ]
و قال\: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾[ النحل : 36 ]
و قال : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾[ البقرة : 256 ]
و قال : ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾[ الزمر : 17 ]
وإن إقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو مايدفعه للإضطلاع بعبء النهوض بتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس ، في وجه العقبات الشاقة ، والتكاليف المضنية ، والمقاومة العنيدة ، والكيد الناصب ، والألم الذي يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان .. وإلا فالعناء في أمر يغني عنه غيره – مما هو قائم في الأرض من جاهلية ... سواء كانت هذه الجاهلية ممثلة في وثنية الشرك ، أو في إنحراف أهل الكتاب أو في الإلحاد السافر ؟
!!) .
فالله الله يا إخواني تمسكوا بدينكم وأحبوا أهله، و اجعلوهم إخوانكم ، ولو كانوا بعيدين منكم نسباً ، و اكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم ، وابغضوا من أحبهم ، أو جادل عنهم ،أو قال ما عليّ منهم ، أو قال ما كلفني الله بهم ، وأين نخن من أخواننا الذين سبقونا بالأيمان ومنافستهم في البراءة من المشركين،وقد تبرأ منهم آخوانكم ممن سبقوكم إلى الأيمان في الأمم الخوالي..
وتذكروا قول الله
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) سورة الممتحنة
ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً ) .
و يصح القول من بعد ذلك من أن هذا الدين يحتاج لرجالات لا يخافون في الله لومة لائم ، ولا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا ، ولا يكونون إمعات ينعقون مع كل ناعق ، لأن الأمر جد خطير كما مر معنا في الجاهلية الأولى ، والجاهلية المعاصرة ! فالشرك ألوان ، والشركاء ألوان ، والمشركين ألوان ، وليست القضية كما تتراءى للناس اليوم حين يسمعون كلمة الشرك ، والشركاء ، والمشركين ، فيظنونها تلك الصورة الساذجة من ان أناساً كانوا في العصور الأولى يعبدون الأحجار والأصنام والأشجار وانتهى الأمر على ذلك !!
كلا ! فالأمر جد خطير في هذه الجاهلية المعاصرة ، فالشرك ألوان ، يزاوله ألوان من المشركين ، يتخذون الواناً من الشركاء !!
و بعد : أسال الله السميع العليم ان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ومن الذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها
،
منقولـ والسلام عليكم