وكان من وصيته صلى الله عليه وسلم لأمته عامة ، ولِحَفَظَة كتاب الله خاصة ، تعاهد القرآن بشكل دائم ومستمر ، فقال صلى الله عليه وسلم : " تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلُّتاً من الإبل في عقلها " [ أخرجه مسلم ] ، ومن تأمل هذا الحديث العظيم ، ونظر في معانيه ، أدرك عِظَمَ هذه الوصية ، وعلم أهمية المحافظة على تلاوة كتاب الله ومراجعته ، والعمل بما فيه، ليكون من السعداء في الدنيا والآخرة
، فيستحب ختم القرآن في كل شهر ، إلا أن يجد المسلم من نفسه نشاطاً فليختم كل أسبوع، والأفضل أن لا ينقص عن هذه المدة ، كي تكون قراءته عن تدبر وتفكر، وكيلا يُحمِّل النفس من المشقة مالا تحتمل، ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ القرآن في شهر، قلت : أجدُ قوة ، حتى قال : فاقرأه في سبع ، ولا تزد على ذلك " .
وأوصي جميع المسلمين رجالاً ونساءً ، بحفظ كتاب الله تعالى ما استطاعوا لذلك سبيلاً ، وإياكم ومداخل الشيطان ، ومثبطات الهمم ، فاليوم صحة وغداً مرض ، واليوم حياة وغداً وفاة ، واليوم فراغ وغداً شغل ، فاستغلوا هذه الحياة الدنيا فيما يقربكم من الله زلفى ، فأنتم مسؤولون عن أوقاتكم وأعمالكم وأقوالكم ، وإياكم وهجران كتاب الله ، فما أنزله الله إلا لنقرأه ولنتدبر آياته ونأخذ العبر من عظاته ، قال تعالى : " وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً " ، فمن الناس من لا يعرف القرآن إلا في رمضان ، وبئس القوم الذين لا يعرفون القرآن إلا في رمضان ، ومن الناس من لا يتذكر كتاب الله إلا في مواطن الفتن والمصائب ، ثم ينكص على عقبيه ، فأولئك بأسوأ المنازل ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ، وجاهدوا أنفسكم ، وألزموها حفظ كتاب الله ، وتدارس آياته ومعانيه ، فالله لا يمل حتى تملوا .
ومن لم يستطع حفظ كتاب الله تعالى ، ومن لم يكن له أبناء في حلقات التحفيظ ، فليبادر قبل انقضاء الأوقات والأعمار ، ثم لا ينفع الندم ، فميدان السباق مفتوح ، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً .