هذا المقال قديم ولكن مع كل ميزانيه يتجدد في الصحف والاذاعه كل عام
حديث المجالس : الميزانيه والمواطن
رغم فائض الميزانية فإن المواطن لا يلمس تحسناً وكأنه لا يستفيد منها شيئاً. هذا هو حديث المجالس الذي يشيع منذ خمسة أعوام بعد كل إعلان للميزانية العامة للدولة. فقبل عدة أيام من رحيل هذا العام (2008) تم اعتماد أكبر ميزانية في تاريخ المملكة العربية السعودية بزيادة 65 مليارا عن ميزانية العام الماضي. الأرقام الفلكية في الميزانية تبعث على الكثير من التفاؤل لدينا كسعوديين، لكنها أيضاً تطرح العديد من علامات الاستفهام في أذهان الكثير من المواطنين كل عام، لكن تساؤلات هذا العام تبدو أكثر إلحاحاً من أي عام مضى لأنها أتت في خضم عاملين مهمين بالنسبة للمواطن السعودي، الأول: غلاء الأسعار الذي يكاد يكون مستمراً حتى الآن في الكثير من السلع المحلية والمستوردة، والثاني: الأزمة العالمية التي جعلت العالم ينظر للإنسان السعودي وكأنه برميل بترول متحرك، فيما الحقيقة أن غالبية السعوديين لا يعتمدون على أي مصادر اقتصادية أخرى إلا على دخلهم المحدود الناتج عن العمل الحكومي.
المواطن العادي قد لا يهتم كثيراً بالتفاصيل الاقتصادية والحسابية للواردات والمصروفات المعلنة في الميزانية، إذ لا يعتمد على معرفته في الاقتصاد بل على حدسه وشعوره في التفاؤل بأنها ستكون أفضل من سابقتها بالنسبة لأثرها المباشر عليه. ولو اعتمد على ملامسته للواقع فلا أظن أنه سيكون لديه الشعور نفسه؛ لكنه يتمسك بالأمل على اعتبار أنه يأمل بمستقبل أفضل من الواقع، وهذا ربما نتيجة للانطباعات الخاصة لدى المواطن العادي، الذي نسميه بالإنسان البسيط والذي لا يفكر إلا باستمرار (قطّارته) الشهرية، رغم أنه يحدث نفسه أحياناً - بشيء من السذاجه - بأن إعلان هذه المرصودات الضخمة للوزارات والمصالح الحكومية سيجعلها تعمل بضمير المواطن على حل وحلحلة المشكلات التي يلمسها بسطاء الناس كل يوم في الصحة والمياه والإسكان والطرق والمواصلات والتعليم وغيرها من المصالح الخدمية التي تجعله يقول إن الدولة لم تقصّر في شيء، بل وضعت المسؤولية كاملة في عنق هذه الوزارة أو تلك المصلحة منذ اللحظة التي يعتمد فيها رئيس مجلس الوزراء الميزانية.
المواطنون البسطاء يتهامسون ويتحدثون حين يذهبون إلى الأماكن نفسها دون أن يلحظوا الكثير من التغيير، أو لنقل الإصلاح، الذي يمسّ حياتهم . ففي المستشفيات مثلاً، هم يعرفون أن مخصصات الصحة كبيرة في الميزانية، ورغم ذلك هم لا يطمحون أن تتيح لهم هذه الأرقام الدخول إلى أجنحة الـvip التي ابتدعتها الكثير من المستشفيات الحكومية والخاصة، لكنهم يحلمون بأن تختفي مشكلات المرضى التي بدأت تظهر كرأي عام من خلال صفحات اجتماعية مخصصة في بعض صحفنا المحلية. لكن ما يزال هناك أمل بأن تنتهي موجة سؤال المرضى للناس واستعطافهم بعد صدور نظام "التأمين الصحي" الذي يجب أن يصدر في أقرب وقت ممكن؛ لأن أحاديث المجالس تتمركز حول فكرة السماع بالتأمين دون رؤيته على أرض الواقع؛ اعتقاداً بأن وزارة الصحة مشغولة بملاحقة شركات التبغ علّها تحصل على بعض التعويضات! ومعظم الناس يريدون حداً مقبولاً ومقنعاً من الخدمة الطبية والرعاية الصحية لهم ولأسرتهم، قياساً بالمبالغ الكبيرة التي ترصد لها، دون أن يتوقفوا كثيراً عند الفرقعات الإعلامية والأبواق المزعجة التي تعزف سمفونية (كله تمام يا فندم) بلحنها النشاز المزعج.
المواطنون يعرفون أن وزارة المياه والكهرباء من الوزارات الوليدة التي حظيت بدعم كبير في مخصصات الميزانية. وهمّ المواطن هو أن يغيب عنه هاجس العطش الذي يلاحقهم كشبح في كل صيف، والتي تتزامن مع انقطاعات الكهرباء فيطرأ السؤال كبيراً: لماذا؟ ألم ترصد الدولة مبالغ طائلة لكي لا يشعر المواطن بتنغيص هذه الأمور لحياته؟ لكن الغريب أن ناقوس هذه التساؤلات تقل حدته نتيجة فعل الأمل الذي يبعثه تصريح هذا المسؤول أو ذاك بأن الاحتياطات والاحترازات على أهبة الاستعداد، وأن المشكلة ستنتهي في شهر كذا من سنة كذا، فينتهي الموعد لكن المشكلة لا تنتهي!
المواطن البسيط لا يمتلك منزلاً وهذه مشكلة مقلقلة بالنسبة له؛ لأن المنزل كالوطن تماماً فمن لا مأوى له كالذي لا وطن له. وتشير أحاديث المجالس هذه الأيام إلى آمال المواطنين المتوقعة بالحصول على قروض حكومية تتيح لهم بناء مساكن جديدة ولو كانت مرهونة لصندوق التنمية العقاري، غير أن كل الآمال تخنقها نسبة الـ70% من المواطنين الذين لا يمتلكون مساكن حتى الآن، وتزيد القضية تعقيداً تلك الأعداد المرتفعة المتوقعة لسكان المملكة بعد عدة سنوات. وإلى أن يمتلك المواطن منزلاً سوف يعيش مستأجراً دون أن يستطيع توفير ثمن امتلاك منزل صغير لأن الخرق اتسع على الراقع كما يقال، فلم يبق أمامه إلا الانتظار.. والحياة تعلمنا معنى الانتظار!
وحينما يطالع المواطن في الأرقام المخصصة للنقل والمواصلات فإنه سيلاحظ ضخامة الأرقام وضآلة البنية التحية الأساسية للطرق وخدمات النقل، وهذا ما يخلق تساؤلاً عن مدى مصداقية المقاولين المحليين ومدى الرقابة عليهم، في ظل أضخم الميزانيات التي تحاول المملكة الاستفادة منها في إعادة تأهيل البنية الأساسية. أما فيما يخص التعليم فإنه حظي بما يقارب ربع ميزانية الدولة لهذا العام، وحديث المجالس هذه الأيام يدور حول قضية المعلمين الذين قد لا ينتظرون من هذه المخصصات الضخمة أكثر من إعطائهم حقوقهم بعد أن تجتمع اللجنة العليا التي أمر بتشكيلها خادم الحرمين الشريفين. المشكلة إذن ليست في الميزانية بقدر ما هي في أذهان الناس، حيث تشكلت لديهم رؤى واقعية ربما تكون منقوصة أو مجتزأة، أو حتى متحاملة، لكنها واقعية؛ فكثيرون منا يعتقدون بوجود ثغرات كثيرة وكبيرة يدخل منها غول الفساد إلى مختلف الأمكنة في كل الدول، لكن الرقابة الصارمة في الجهات التنفيذية والتشريعية هي ما يحجم هذا الخطر من خلال الشفافية وظهور صوت الرأي العام، حيث تلعب الصحافة دوراً أساسياً في تسليط الضوء على مكامن الخلل... الميزانية الآن بمجرد إعلانها أصبحت كل وزارة أو مصلحة حكومية مسؤولة عن (تاريخية) هذه الميزانية ومخصصاتها الضخمة من خلال الإنتاج. إنتاج عمل حقيقي على المستوى الداخلي يليق بموقعنا الاقتصادي الكبير.
* سعود البلوي كاتب سعودي
p]de hgl[hgs : hgld.hkdi ,hgl,h'k